الحاجة الملحة للظاهريات

حمد باتل

تاريخ النشر: 10 نوفمبر، 2025

نُشر في: ظاهريات

نتجول في الإنترنت ويكثر أن نقابل في بعض الزوايا تعليقات من قبيل: ما الفائدة من ضيفك؟ وما الفائدة المرجوة من برنامجك؟ برنامج فاشل لا يعالج مواضيع مهمة! ما هي إنجازتك؟ ما الذي تضيفه لي كمتلقي، ازعجتونا. ومن هذا القبيل سيل من الكلمات التي تنفي معنى الآخر وتجربته في الحياة إذا لم تلائم معناي وفعلي.

الأمر المزعج في حقيقة الأمر هو ما قد أسميه خيبة فينومينولوجية الذي هو عمى عن حياة وإرادات الناس. وجعلها في مقياس واحد، مضاد للحركة الحياة نفسها وتنقل على القائل أيضا فعملك أيضا أو حياتك ماذا تضيف لي؟

لم أبحث يوما عن الأفكار بل عن الأشخاص. والأفكار تثير الإهتمام بقدر ما يثيره الشخص الذي يقولها، لذلك لا أستطيع أن أطبق الحكمة المتداولة: إفصل بين الفكرة وقائلها، اهتمامي بالفكرة ينبع من اهتمامي بقائلها، كل شخص تعبير عن رؤية لا أستطيع أن أنفي معناها وحركتها في هذه الحياة، لأنها لم تتناسب معي بل هو مجال للتجربة الممكنة؛ فمن الممكن أن يعطيني رؤية لا أجدها عند من يراها بعين القيم والتصنيفات المجردة.

ليس لدينا عين ترى الكل، تكامل الرؤى من أكثر الأمور التي تجعل الحياة تنمو، حركات الناس وشغفهم أكبر معلم. جرب أن تسأل شخص متخصص عن عمله ثم إذهب واسأل شغوف بهذا العمل ستتفاجأ بالفرق. الشغوف سيكلمك ويخربك عن أدق التفاصيل وما الأدوات الحالية وقد يدلك على اختصارات ويبذلك لك وقته وجهده مجانا. في الطرف المقابل لن يعطيك شيئا سوى المناهج المعروفة التي عفا عليها الزمن.

نعود لعنواننا، لماذا نحتاج الظاهراتية Phenomenology، لأنها تمنعنا من أن نجعل نظرتنا الخاصة حاكمة على نظرة الشخص الآخر عندما لا أفهمه، ومؤكد لواقع خاص بي، الظاهراتية تعزز الرؤية من زاوية لا تنالها الشمولية. والواجب الذي أنطلق منه والحكم الذي أنطقه. المنظور العملي للآخر قد يغيب عن سرديتي أو أن سرديتي تحاول أن تبتلعها دون اعتراف بسرديته.

الإنحياز لرؤية واحدة مريحة قد يكون قانون عقلي لحفظ طاقته لكنه في المقابل يصنع أيدولوجيات سقيمة وتداوليات مبنية على الثرثرة المتناقلة دون أي إعادة تموضع حسي للقضية، فالزمن سيال ومتغير وما كان بالأمس مناسب سيكون اليوم متأخر، العالم قد تعداه وسبقنا.

الظاهراتية تمنع من هذا العمى، معرفة الواقع وثيق الصلة بالأشخاص الذي يشاركونا في هذه التجربة. يعطينا وليام جيمس تجربة مليئة بالمحتوى الظاهراتي حصلت معه، تبين أهمية فتح أعيننا باتساع على تجربة الآخرين واختلافهم، فعندما ذهب في رحلة إلى جبال كارولينا الشمالية ورأى كيف قطّع المستوطنون الأشجار على حواف الخلجان والأودية الصغيرة بين التلال، التي وصفها كم كانت بئيسة في مظهرها. واستبدلت بالكوخ الخشبي المغطى بالطين وحظيرة للخنازير وبعض الدجاج وأقام الأسياج المتعرجة على حقول الذرة.

انصدم بهذا المشهد وبدأ يحاكمه أخلاقيا دون نظر لحالة الناس وتجربتهم المعاشة هناك، تدمير للطبيعة وأيضا بعد عن الحضارة ما الذي يمكن أن يكون أسوء. أليس هذا ما نقوم به يوميا في قراءتنا للواقع المعاش والحالة النصحية المنتشرة والنقد النظري الذي لا ينتهي.

دمروا الطبيعة هذا ما دار في خلد جيمس “نوع من القرحة”. كم كانت حياة المستوطن قبيحة، تصيب بالكآبة، عرية من كنوز الثقافة، لا ينبغي لأحد متحضر أن يعيش يوما واحدا على هذه الطريقة.

ننسى ونعمى عن جغرافية الناس لصالح كونية مصطنعة لا توجد إلا في زاوية نظرنا التي تريد أن تلتهم كل ما لا نفهمه، الأولى أن نصنع خرائط وإسقاطات ليست من زاويتنا بل زاوية الأخرين. الأمر الأول اسئلهم وهذا ما قام به جيمس.

فبعد تعافى جيمس من هذا المشهد طرح سؤاله على قائد العربة: أي نوع من الناس؟ كان جوابه “كلنا”، تلاشى الحكم الأخلاقي والصدمة الوجودية لجيمس لحساب رؤية الآخر من حياته؛ فالكوخ الذي كان يشعرك بالخراب أصبح مكانا للأمان في هذا المكان الصعب، وتحولت الصورة القبيحة إلى رمز للجد والصراع من أجل النجاح.

الناس في انفتاحها على الحياة تحاول دوما أن تصنع الجميل مما تشعر به في بيئتها. المكان المقفر تحول إلى قوة عمل يشترك بها الصغير والكبير والرجل والمرأة في مجتمع يعتمد على ذاته بعيد عن التجمعات الحضرية والتي يكمن فيها بذرة تجريبية تنمو لتتحول إلى بقعة تحضر جديدة.

“لقد كنت أعمى عن المثالية الخاصة بظروفهم، كما كانوا هم بالتأكيد سيعمون أيضا عن مثالية ظروفي لو ألقوا نظرة على طرقي الأكاديمية الغريبة داخل المباني في كامبريدج”

“أينما تمنح عملية الحياة حماسا eagerness لمن يعيشها تصبح الحياة ذات مغزى أصيل. في بعض الأحيان يكون الحماس مرتبطا بالأنشطة الحركية، وأحيانا بالادراك-الحسي وأحيانا بالخيال وأحيانا بالفكر الاستبطاني.”

“أينما وجد هناك البهجة والرعشة وإثارة الواقع ستكمن الأهمية بالمعنى الحقيقي والايجابي الوحيد فيما يكمن به أهمية في أي مكان”

ثم يختتم جيمس هذه الأطروحة الظاهراتية وكأنها يخاطب تلك التعليقات الغريبة، كفوا أيديكم وابتعدوا يا من لم تتكشف له الحقيقة ولا الخير من مرصده، لا تتسرعوا في الحكم بعدم جدوى أنماط الوجود المختلفة عن نمطكم، تسامحوا ولبوا رغبات كل فرد يرى سعادته بطريقته الخاصة البريئة وإن غابت عن تفسير عقلي عندكم؛ اطلبوا منهم أن يكونوا مخلصين لفرصهم الخاصة ويستفيدوا لأقصى حد منها ليتباركوا، لا تفترضوا تنظيم بقية المجال المتسع.

لا تضيق واسعا يريد أن يخبرنا جيمس، كون متسع أكثر من ضيق أفكارك. الكون ليس قاعة محكمة لتحاكم من يختلف معك في عمله الذي هو مشغوف به. الوصية الجيمسية أن لا نصاب بالعمى في تجربتنا الشخصية فما لا يلائمنا يلائم الآخر حسب تزمنه وتموضعه دون معنى واحد مهيمن يلغي سرديات صغرى التي تملاء الحياة بالصخب والحركة.

جمال الأمر لا يقف هنا، فنحن أنفسنا نملك آراء مختلفة حول الشيء نفسه في أوقات متعددة، تتغير رؤيتنا بتغير الضوء الذي نراه فيها. من زاوية جديدة أو مجال جديد يعطي له معنى جديد، هذه التعديلات في الخبرة وتتبعنا للأمزجة التي تمر بنا يجعل خبرتنا السابقة ليست عدما لأجل خبرة حالية، فهي لا زالت مهمة وحاضرة في سرديتي وقد أعود لها مرة أخرى في وقت آخر حينما تكون مفيدة.

الهامش:

Pihlström, Sami (2021). Pragmatist Truth in the Post-Truth Age: Sincerity, Normativity, and Humanism. New York, NY, USA: Cambridge University Press. p. 44-6

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة